الشيخ محمد آصف المحسني

356

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

الروايات من أصلها . والمتحصّل من جميع ما سبق أنّ ما أورد على القول بالرؤية غير وارد ، وما اعترضه السيّد على القول بالحضور ممكن الدفع أيضاً على ما هو المشهور بين المتكلّمين من أنّ الروح جسم لطيف غير مجرّد ، وأمّا بناءً على كونها مجرّدة فالاعتراض المذكور وإن كان ساقطاً من أصله ، إلّا أنّه يتوجّه عليه الإشكال من ناحية امتناع المجرّد قبول الرؤية فإن رواية الحضور تدلّ على الرؤية أيضاً . لكنّ الإنصاف أنّ مقتضى النظر الدقيق عدم صحّة الحضور ، بيان ذلك : أنّ البشر الموجود حاليّاً في الكرة الأرضيّة أكثر من ثلاثة آلاف ملايين بربع مليارد أو ثلثها ، والنفرض بقاءهم إلى ثمانين سنة ، فإذا ضربنا هذه الأعوام بالشهور والشهور بالأيام والأيام بالدقائق لا يرتقي حاصل المجموع إلى اثنين وأربعين مليون دقيقة ، وإليك صورته : ونفرض أنّ المجموع اثنان وأربعون مليون دقيقة ، ونفرض أفراد الإنسان ثلاثة آلاف وخمسة وثلاثين مليوناً : فإذا قسّمناهم على الدقائق المذكورة نستنتج أنّ كلّ دقيقة يموت فيها أكثر من سبعين نفر ، أي لا يمكن الترتّب بين قبض الأرواح ولو بثانية - وهي جزء واحد من ستّين جزء من الدقيقة الواحدة - بل لا بدّ من اجتماع بعض القبضين أو القبوض في ثانية واحدة على ما عرفت . وهذا فيه محذور عقلًا ونقلًا وعادة . أمّا المحذور العقلي فلأنّ الموت لا يتحقّق ظاهراً في أقل من ثانية ، ولا أنّ مكث الإمام ( ع ) عند المحتضر ينبغي بأقل منها ؛ إذ الحضور لأجل سرور المحتضر وبشارته ، أو ضدّهما وهذا المعنى لو لم يحتجّ إلى دقيقة « 1 » لما أمكن بأقل من ثانية أيضاً ، والمفروض أنّ الثانية التالية أيضاً فيها قبض روح ولا بدّ للإمام الحضور عند ذيها فيلزم الطفرة ؛ إذ لا فاصلة بين الثوان . وأمّا المحذور النقلي فلما ورد من اجتماع أرواح الأئمة والنبيّ الأعظم - صلوات الله عليهم - ليلة الجمعة في العرش ، وحضورهم في بعض الأوقات لزيارة الحسين الشهيد ( ع ) في مشهده وما دلّ على عرض الأعمال عليهم « 2 » وغير ذلك ممّا ينافي حضورهم دائماً عند المحتضرين .

--> ( 1 ) - بل الصحيح أنّه يحتاج إلى أكثر من دقيقة ، كما يظهر من روايات الحضور فإنّها تتضمّن مكالمة المعصوم مع المحتضر ومع ملك الموت فلاحظها حتّى تجد صدق ما قلنا . ( 2 ) - قد تقدّم في بحث علومهم ( عليهم السلام ) مصادر هذه الأمور فارجع يليه .